(عنوان1 مفتى مصر يثير الجدل عن بيع الخمر.. والعلماء يؤكدون: إعادة النظر في فتواه )
(عنوان1 الفتاوى الاضطرارية لا تعمم.. والاجتهاد الفردي خطر)
هناء البنهاوي (القاهرة)
فجرت الفتوى التي أطلقها مفتي الديار المصرية د. علي جمعة بشأن جواز قيام المسلم في البلاد غير الإسلامية ببيع الخمر جدلا واسعا بين العلماء حيث رفضها معظمهم استنادا الى النص النبوي القاطع بتحريمها . ولكن هذه الفتوى فتحت الباب واسعا لطرح اشكاليات الاجتهاد في القضايا المستحدثة
السؤال الذي تطرحه (عكاظ) في هذا السياق هو: هل الاجتهاد الفقهي وفقا لاحتياجات العصر يخدم الشريعة الاسلامية أم يمثل خطرا حقيقيا يهددها?. وما هي حدود الاجتهاد?
د. صفوت حجازي عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة بالأزهر حذر بداية , من خطورة ترك الاجتهاد الفردي في القضايا المستحدثة لأي إنسان مهما كان منصبه ومكانته مؤكدا ان ذلك يشكل خطرا شديدا على الإسلام .
ورأى ان الاجتهاد في الأمور المعاصرة يجب ان يكون اجتهادا جماعيا أي تتولاه المجامع الفقهية , خاصة وانه لا يوجد من يمكن ان نطلق عليه المجتهد المطلق , داعيا ان يكون مع المفتي في أي بلد إسلامي هيئة إفتاء من العلماء الثقاة, معتبرا ان اجتهاد شخص واحد برأيه في قضية حكم فيها المسلمون من قديم الأزل خطأ عظيم .
وذهب د. صفوت حجازي , الى القول إن الاجتهاد لابد وان يكون مفتوحا دائما لكنه ينحصر في الأمور المستجدة في حياة الناس , لكن إذا كان هذا الأمر قد وقع في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وحكم فيه , كما في موضوع الخمر حيث لعن النبي حاملها وبالتالي لا يجوز للمسلم ان يبيعها للمسيحي او اليهودي في أي أرض , بموجب ذلك فلا يجرؤ أحد على إلغاء حكم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما انه لا يجرؤ أحد على رفع اللعان عن فعل من الأفعال التي لعنها النبي , وبالتالي لا يجوز لأي إنسان مهما كان منصبه ولا وضعه ان يجيز بيعها , فهذا لا يعد اجتهادا .
من جانبه اكد د. عبد العظيم المطعني أستاذ الدراسات العليا بالأزهر ان الاجتهاد المطلوب من المسلمين الآن هو البحث الجاد عن تكييف المستجدات التي لم تكن موجودة من قبل وتقنين الحكم الشرعي لها على ضوء الكتاب والسنة واجماع علماء المسلمين , والاجتهاد في هذه الحالة لا خوف منه على الشريعة بل هو واجب وتنمية للشريعة الإسلامية نفسها , أما اذا أريد به النظر في أحكام الفقه الموجودة بين أيدينا واستقر عليها العمل منذ صدر الإسلام إلى الآن من كل حكم فقهي دليله قطعي الثبوت وقطعي الدلالة أو قام عليه إجماع علماء المسلمين في كل العصور, فان الاجتهاد في هذا الثابت يعد واعتداءاً صارخاً على الشريعة, أما اكمال النقص بإخضاع المستجدات لأحكام فقهية مدروسة ففي ذلك ليتنافس المتنافسون .
كذلك رأى د. المطعني ان فتوى د. علي جمعة بشأن الخمر في البلاد غير الإسلامية تعد خطأ لأن المسلم لا يجوز له امتلاك الخمر أصلا , واذا خالف مسلم وامتلك مقادير من الخمر ثم أتلفها له مسلم آخر فلا يطالب بتعويض لصاحب الخمر وذلك لأن الحكم الشرعي هنا هو إراقة هذه المقادير من الخمر جبرا بحكم ولي الأمر.
وأوضح د. محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية , ان الاجتهاد يعني ان يبذل المفتي أو الفقيه غاية جهده في إنزال الحوادث المستجدة على الأصول الشرعية الثابتة .
مؤكدا ان الفتوى لا تكون في العقائد ولا في أصول التحريم , وانما يرتكز عمل المفتي شرعيا في العزائم والرخص من خلال تعامله مع النصوص الشرعية لإيجاد حلول لمشكلات يجوز فيها الخلاف ويقبل الاجتهاد .
وقال ان المسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية كأوربا و أمريكا وغيرها لا تقبل ان يطبق فيها المسلمون شريعتهم كاملة , واصطدموا هناك بمشكلات عديدة سواء في الزواج أو الطلاق وإيجاد المسكن فضلا عن عقبات فرص العمل التي لا تتوافر الا في الفنادق والمطاعم التي تباع فيها الخمور ولحم الخنزير وهنا يجد المسلم نفسه في حرج مع دينه لذلك فقد أباح فقهاء الأحناف في مثل هذه الحالة ان يعمل المسلم وفقا لطبيعة قوانين البلاد التي يعيشون فيها مع احتفاظهم بإيمانهم وممارسة دينهم , غير ان الامام الشافعي قد تشدد في المنع وقال ان المسلم يجب ان يكون ممثلا لدينه في أي مكان يحل فيه .
وأضاف د. أبو ليلة ان المسلمين في الغرب يعيشون في ظل ظروف صعبة ويواجهون شتى مظاهر الاضطهاد وبالتالي قد لا نجد بأسا في الأخذ بفتوى د. علي جمعة , في إجازة عمل المسلم في بيع الخمر في البيئات غير الاسلامة, وقد سبقه في ذلك بعض العلماء وأنا واحد منهم لاني عشت في الغرب فترة طويلة أدرك تماما حجم هذه المشكلات وتأثيرها على الجاليات الإسلامية . موضحا اننا في هذه الحالة أمام اضطرار وقد أباح الإسلام للمضطر أن يلجأ الى هذه الحلول وذلك مصداقا لقوله تعالى { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ان الله غفور رحيم } . ولأن رسالة الإسلام عالمية فإنها تتسع للاجتهاد , بل ان الاجتهاد هو سر بقاء الإسلام واستمراره .
وحذر د. أبو ليلة من ان تتخذ هذه الحالات الاضطرارية ذريعة في العالم الاسلامي لشرب الخمر, فهذا حرام لأن الفتوى تقاس على الحالة التي من أجلها أفتي بها ولا يمكن تعميمها , لأن الأصل العام هو التحريم القاطع كما في حالة الخمر.
المصدر
http://www.okaz.com.sa/okaz/Data/200...Art_317670.XML